ابن عربي

3

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

[ المقدمة ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف رسله وأكرم خلقه وأفضل من عرف للّه حقّه ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد ، فهذا كتاب نفيس عند أهل التصوّف ، شرح فيه مؤلفه ديوانه « ترجمان الأشواق » وسماه ب « ذخائر الأعلاق » . وقد نظم الشيخ ابن عربي هذا الديوان أثناء اعتماره في سنة 598 ه ، حين التقى بالشيخ مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجاء الأصفهاني البغدادي ، وأخته العالمة التي أذنت لأخيها أن يكتب له نيابة عنها إجازة في جميع مروياتها . كما تعرّف بابنة هذا الشيخ وتدعى « نظام » فأغرم بها وجعلها محور شعره في هذا الديوان ، فيقول في مقدمة هذا الشرح : « فراعينا في صحبتها كريم ذاتها مع ما انضاف إلى ذلك من صحبة العمة والوالد ، فلقد قلدنا من نظمنا في هذا الكتاب أحسن القلائد بلسان النسيب الرائق ، أو عبارات الغزل اللائق ، ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس ويثيره الأنس ؛ ولكن نظمنا فيها بعض خاطر الاشتياق من تلك الذخائر والأعلاق ، فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أكني ، وكل دار أندبها فدارها أعني ، ولم أزل فيما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية والتنزلات الروحانية والمناسبات العلوية جريا على طريقتنا المثلى ، فإن الآخرة خير لنا من الأولى ، ولعلمها رضي اللّه عنها بما إليه أشير وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ » . وليس قصده الغزل أو وصف النساء ، فحين يتحدث عن الفتاة الرومية التي وصفها فيه بأوصاف الأنوثة التامة نجد أننا لا يمكننا أن نقول إنها امرأة حقيقية ، ولكن نقول إنها نفسه جردها ، ودار الحديث بينها وبينه والنفس شأنها اللطافة والرقة ، فاختار لها أنثى رومية ، والروميات يومئذ مضرب المثل في الجمال والبياض ، فاتخذ منها رمزا للصفاء والجمال الذي أحس به ، وكيف يقول قائل غير هذا ، والشيخ حين يحكيها عن نفسه يقول : « كنت أطوف ذات ليلة بالبيت ، فطاب وقتي وهزني حال كنت أعرفه ، فخرجت من البلاط من أجل الناس ، وطفت على الرمل فحضرتني أبيات فأنشدتها أسمع بها نفسي ومن يليني » . فالحالة هذه حالة روحانية وجدانية بحتة يدور فيها الحوار بين الإنسان ونفسه حول صدقه في دعواه ومقدار صدقه وماذا فعل . فهذا هو مقصود الشيخ من شعره الغزلي . والناظر في شعره وشرحه يشعر بثقافة الشيخ اللغوية الواسعة ، وعلمه بالحديث ، وكيف يستخدم اللفظ الذي يساعد إلى الوصول إلى غرضه ، من ذلك استعماله للفظ قيس في الشدة لأن من معانيه اللغوية الشدة ، وهكذا تشعر وأنت تقرؤه برصيد لغوي